كلمة في حفل حلقات مجمع جامع الملك خالد يرحمه الله

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ الهادي الأمين وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقهم واتبع هداهم إلى يوم الدين

أما بعد :
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأهلًا ومرحبًا بكم في بيتٍ من بيوت الله ، في جامع الملك الصالح الملك خالد بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ
هذا الجامع الذي له في قلوب العارفين مُخيّم ، هذا الجامع الذي تواردت عليه خُطى أهل العلم وأهل الذكر في سنينَ مضت
وها نحنُ في هذا اليوم نأتي لنزف كوكبةً من حفاظِ كتاب الله ـ جل وعلا ـ ، هؤلاء الحفاظ الذين آثروا هذا الكتاب الذي ( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) أثروا هذا الكتاب على حظوظهم الدنيوية ، آثروه على فراغهم آثروه على لعبهم ، آثروه على مرحلةٍ خطيرةٍ من مراحل عمر هذا الإنسان ، وهي مرحلة الطفولة ومرحلة الشباب هذه المرحلة التي إن لم تُستثمر فإنها لن تأتي أُكلها
وكما قال أبو العتاهية ـ رحمه الله ـ :
عَلِمتَ يا مُجاشِعُ ابن مَسعده
أَنَّ الفراغَ والشبابَ وَالجِدَه
مفسَدَةٌ للمرءِ أَيُّ مَفسَده


أيها الإخوة :
لعل مثلي يمكن أن يشير إشارةً سريعةً لكوني من جيلٍ غير هذا الجيل الذي يُكرم في هذه الحلقة ، من جيلٍ أدركنا في وقتنا عَنةً وشدّة ولأواء وصعوبةً في الاتصال بكتاب الله ـ جل وعلا ـ ولم يكن السبب في ذلك راجعًا إلى تعذُّرِه من جهته الرسمية وإنما هو راجعٌ إلى ضعف نشاطنا، وإلى قلة الموجهين الذين يحثون الناس إلى حفظ كتاب الله ـ جل وعلا ـ ويدعونهم إليه .
كان الناس في غفلةٍ وبُعدٍ عن حِلق التحفيظ ومُدارسة القرآن ، كنا في وقتٍ يُشارُ في المنطقةِ الواسعة إلى حافظٍ واحد فقط ، وكم يُفرح ويبتهج ويُشار بالبنان إلى هذا الحافظ ، وذلك لقلة الحفاظ ولقلة الحِلق ثم ننظر خلال ثلاثة عقودٍ من الزمن ، كيف اتسع الأمر وكيف بلغت العناية بالقرآن هذا المبلغ العظيم ، من أعلى هرمٍ إلى طفلٍ صغير ، من قيادة هذه الدولة حينما تُساند هذه الحِلق وتُهيئ ما يتعلق بحفظ كتاب الله ـ جل وعلا ـ سواءً بحفظه في المصحف وطباعته والعناية به ، أو بحفظه في الصدور .
وأنا أقول هذا الكلام ـ أيها الإخوة ـ ليس تزلُّفًا وإنما أقوله من خلال تجربة فإن طبيعة حالنا وعملنا اقتضت أن يكون لنا تجوال وسياحة في العالم الإسلامي وغير العالم الإسلامي ورأينا ما يعانيه كثير من البلدان من جهة العناية بكتاب الله ـ جل وعلا ـ دراسةً وحفظًا وتعليمًا ، وإن رأينا شيئًا من ذلك في بعض البلدان فإنه يكونُ على استحياء أو على تخوّف ، وإننا بحمد الله في هذه البلاد ـ بلاد الحرمين الشريفين ـ نرى هذه العناية الفائقة والمجال المفتوح الواسع لكتاب الله ـ جل وعلا ـ في جامعاتِنا وفي جوامعنا وفي مساجدنا ، حتى كثر الحفاظ وحتى أصبح حفظ القرآن قد بلغ درجةً قد لا يُصبح عند بعضهم شيئًا من التميز لكثرة المساس وكثرة ما يبشّر بهؤلاء الحفاظ ، وانتقل الناس بعد ذلك تجاوزوا كثرة حفظ كتاب الله ـ جل وعلا ـ حتى بلغوا حفظ السنة ؛ البخاريّ ومسلم وما استدرك على الصحيحين والكتب الستة والزوائد عليها .
وقد كنا في قابلِ العمر لا نرى أحد يمكن أن يتجرأ على الصحيحين أو على البخاري وربما أشير إلى بعضهم أنه يُكثر القراءة في صحيح مسلم ، والآن نجد احتفاءً واحتفالاتٍ متكررة لتخريج حفاظ السنة ، ولم يكن ذلك قاصرًا على بعضها بل إنه قد عمَّ أمُهات الكتب ، وهذا من فضل الله ـ جل وعلا ـ علينا وعليكم أيها الإخوة .
أقول هذا الكلام لأن هذا التيسير وهذا التسهيل وهذه الصّحوة لا تعذُر الأباء ولا تبيح لهم هذا التسويف والتخاذل في أن يهملوا أبناءهم وأن يفرطوا في اغتنام هذه المرحلة ـ مرحلة الطفولة ـ وهي أفضل مراحل الحفظ
أفضل مراحل الحفظ هي في سن الطفولة وقد كان الأولون لا يلتحقون بمجالس الذكر ومجالس العلم إلا بعد أن يتموا كتاب الله ـ جل وعلا ـ قبل البلوغ .
وقد كان أباؤنا ومنهم من هو على قيد الحياة ممن أدركوا ذلك الزمن كان يُحتفى بالرجل إذا ختم القرآن احتفاءً عظيمًا ، لكن ما هو هذا الختم ؟!
يكون قد ختم القرآن نظر ـ كما يقولون ـ يعني أنه قرأهُ كاملًا قراءةً نظرية ، هذا يعتبرونه قد ختم القرآن فيحتفى به
فانظروا إلى هذه النُقلة العظيمة والحمد لله ـ جل وعلا ـ وهذا مصداقُ قول الله ـ جل وعلا ـ
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )
الله سبحانه وتعالى حافظٌ كتابه .

لم تواجه الأمة هجمةً شرسةً من أعدائها ومن خصوم كتاب الله ـ جل وعلا ـ كما تواجهه الآن ، وخدمة القرآن في زيادة ، والحفظ في زيادة ، وكثرة المنتمين إلى مدارس التحفيظ وجوامع التحفيظ في ازدياد ، في حين إنه فيما مضى لم تكن هذه الحرب الشعواء ! ومع ذلك كان الحفظ بدأ قلةٍ قليلة يعدون على الأصابع ، فالله ـ سبحانه تعالى ـ حافظ كتابه ومهما أنفق من أنفق ليصد عن سبيل الله ـ جل وعلا ـ وأن يقف عقبةً كؤودًا تجاه هذا القرآن فإن له الخسار والوبال ، والله ـ جل وعلا ـ قال ( فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ )
فالله حافظٌ كتابه لا يمكن أن يقف أحد في وجه هذا الكتاب العزيز الحميد .

دخل ورّاقٌ على أحد الخلفاء وعرض عليه الخليفة الإسلام ، فقال : إنه على دين النصرانية دين أباءه وأجداده
ثم غاب عنه عامًا كاملًا وعاد إليه مرةً أخرى ودخل عليه ، قال : ألست من أتانا في العام الماضي وعرضنا عليك الإسلام فأبيت ، فقال يا أمير المؤمنين : إنني وراقٌ ـ يعنى يكتب الكتب ـ أكتب التوراة والإنجيل وقد كتبت التوراة فزدت فيها ونقصت وذهبت بها إلى السوق فاشتروها بأغلى الأثمان ، ثم كتبت الإنجيل فزدت فيه ونقصت ثم ذهبت به إلى السوق فاشتروه بأغلى الأثمان ، ثم كتبت القرآن فزدت فيه ونقصت فذهبت به إلى السوق فبصق الناس على وجهي ، فأدركت أن هذا الكتاب محفوظ بأمر الله ـ جل وعلا ـ وها أنا أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .
( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ )
الله أوكل حفظ التوراة والإنجيل إلى الأحبار والرهبان ، ولكن القرآن أوكله إلى نفسه ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )
ومن آثار هذه العناية بهذا القرآن أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يرفع أهله ، يرفعهم من دنوٍ إلى علو ، يرفع المنتمين إليه والمتمسكين به ، ويرفع الحفظة , يرفع المنتمين وإن لم يحفظوه ولكن لتمسكهم بكتاب الله ـ جل وعلا ـ فهذا بلالُ الحبشي كان يؤتى به إلى الرّمضَاء فلما لامس الإيمان وكتاب الله ـ جل وعلا ـ شِغاف قلبه أصبح مؤذن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويسمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرع نعليه في الجنة .

لعمرُك ما الإنسانُ إلا بدينهِ * فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ * وقد وضعَ الشِّرك الشَّقيُّ أبا لهب

وهذا القرآن أيضًا يرفع من حفِظه ؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول كما عند مسلم في صحيحه " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين "
فيرفعهم بالتمسك به ويرفعهم بحفظه .
ويوضح هذه الصورة قول عمر الفاروق ـ رضي الله تعالى عنه ـ حينما قدم إلى مكة وكان بعسفان : ورأ عامله نافع ابن الحارث وقد ولّاه على مكة
فقال : من وليت على أهل هذا الوادي ؟
فقال : وليتُ عليهم ابن أبزى ، فقال عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ ومن ابنُ أبزى ؟ قال : هو مولى
فقال : أوليت عليهم مولى ؟!
فقال نافع : إنه يحفظ كتاب الله ـ جل وعلا ـ وعالمٌ بالفرائض
فقال الفاروق ـ رضي الله تعالى عنه ـ أما إني قد سمعت رسولكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " إن الله يرفعُ بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين "
فهنيئًا لك أيها الحافظ وهنيئًا لك أيها المتمسك بهذا الكتاب فإن الرفعة والعزة والتمكين إنما هو بتمسكك بكتاب الله ـ جل وعلا ـ وحفظه والعناية به ومدارسته ، هذه هي الرفعة وهذه هي الخيرية وهذا هو الفوز ( فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ )

أيها الإخوة :
لا أريد أن استأثر بالكلام فهناك من ينتظر من القرّاء وغيرهم ، لكنني أقولُ لكم إن هذا المشهد هو مشهدٌ من عدّة مشاهد تبعث على السرور والغبطة التي تستدعي استحضار الشكر لله ـ جل وعلا ـ واستحضار الدعاء بسؤال الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يثبتنا وإياكم على دينه ، وأن يجعلنا وإياكم ممن يخدمون كتاب الله ـ جل وعلا ـ ويدعون إليه ويدافعون عنه وأن يكونوا جندًا من جند الله ـ جل وعلا ـ في كل ما من شأنه الإخلال بدين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أو الإخلال بِلُحمة المجتمع الواحد فإن هذه الأمة أمّة واحدة قد نهانا الله ـ جل وعلا ـ عن التفرق ؛ فإن بالتفرق يكون الخسران والوبال والضياع ولات ساعة مندم .
أسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يجزي كل من كان سببًا في هذا الإجتماع ، وكل من دعم هذه الحِِلق وأعان عليها فإن الله سبحانه وتعالى قال ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )
وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

التعليقات