القِرَاءَةُ وَالقُرَّاءُ

النَّظمُ الحبيرُ في علوم القرآن وأصول التفسير

القِرَاءَةُ وَالقُرَّاءُ

 

    

قال الناظِمَ عفَا الله عنه:

وإن تَشأ مَعرِفَةَ القُرَّاءِ

فابنُ العَلاءِ، بعدَه الكِسائِيْ

 

وحَمزَةٌ، واليَحصُبِيْ، وعاصِمُ

ونافِعٌ، وابنُ كَثيرٍ عالِمُ

 

وبعضُهم يزيدُ فوقَ السَّبعَةِ

ثلاثةً من جُملةِ الأئمَّةِ

 

فهاكَهم: يَزيدُ، يتلُوهُ خَلَف

وهكذا يعقوبُ مِمَّن قد سَلَف

 

وقُل: شُذوذٌ غيرُ تلكَ العَشرِ

لِمَا أتى مُبَيَّنًا في النَّشرِ

 

ومَنشَأُ اختِلافِهِم تَنَوَّعَا

وإِنَّهُ لَظاهِرٌ لِمَن وعَى

 

كالْمَدِّ والإِدغامِ والأَداءِ

والقَصرِ والإِظهارِ للقُرَّاءِ

 

الشرح

هنا انتَقَلَ الناظِمُ إلى مسألَةٍ أُخرى فيما يتعلَّقُ بالقراءَة والقُرَّاء، فقال:

وإن تَشأ مَعرِفَةَ القُرَّاءِ

فابنُ العَلاءِ، بعدَه الكِسائِيْ

يعني: إن أردتَّ أن تعرِفَ القُرَّاء وما يتعلَّقُ بالقراءَات، فهو قد ابتَدَأَ هنا بذِكر القُرَّاء أولًا.

والناظِمُ لم يُفصِّل في تعريفِ القراءَات؛ لأن المعنى العام في السَّردِ - ولا سيَّما في الأخِير - حينما قال: (ومَنشَأُ اختِلافِهِم تَنَوَّعَا) يدُلُّ على ذلك.

والقراءَاتُ جَمعُ قراءةٍ، وهي في الاصطِلاحِ: تنوُّعُ رواياتِ المُقرئِين بالنُّطقِ بكلِماتِ القرآن، هذا هو تعريفُ القراءَات.

والقراءَاتُ تنقسِمُ إلى أقسامٍ:

القسمُ الأولُ: القراءَةُ المُتواتِرة.

والقسمُ الثاني: قراءَةُ الآحاد.

والقسمُ الثالثُ: القراءَةُ الشاذَّةُ.

والمعمولُ به في هذه القراءَات، أي: المقبُولُ من هذه القراءَات: هو ما ذكَرَه ابنُ الجَزَريُّ 6 في «طيِّبة النَّشر»؛ حيث اشتَرَطَ لصحَّةِ القراءَة أن تُوافِقَ وَجهَ النَّحو، وأن تُوافِقَ الرَّسمَ العُثماني، وأن تصِحَّ سَنَدًا.

فهذه ثلاثةُ شُروط لا بُدَّ من توفُّرِها في صحَّةِ القراءَة، أو في العمَلِ بالقراءَة:

أن يصِحَّ السَّنَدُ في هذه القراءَة، وأن تُوافِقُ الوَجهَ النَّحويَّ؛ أي: لا تُخالِفُ وَجهًا من أوجُهِ النَّحو؛ كقراءَةِ قولِه تعالى: ((وَاتَّقُوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ إن الله كان عليكم رقيبا)).

هذه الآيةُ جاءَت فيها قراءَتَان: ﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]، وجاءت بالكَسر، ولذلك بعضُهم أرادَ أن يحكُم على التي جاءَت بالكَسر بالشُّذُوذِ، لأنها ﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ؛ للمَنعِ من سُؤال الله بالأرحَامِ، تساءَلُون به وبالأرحَامِ؛ يعني: تساءَلُون بالأرحَامِ؛ لأن السُّؤالَ بالرَّحِم ممنُوعٌ.

لكنَّها صحَّت من حيث السَّنَد، ووافَقَت وَجهَ النَّحو أنها معطُوفةٌ على مجرُورٍ تساءَلُون بِهِ وبالأرحَامِ، وهي مُوافقةٌ أيضًا للرَّسمِ العُثماني.

فلما اجتَمَعَت فيها هذه الشُّروطُ صارَت من القراءَات، ولذلك تُعدُّ قراءَةً سبعِيَّةً.

وقد أشارَ ابنُ الجَزَريُّ في «طيِّبة النَّشر» إلى هذه الأقوالِ؛ حيث قال:

وكُلُّ ما وَافَقَ وَجهَ نَحْوِ

أوْ كانَ للرَّسْمِ احتِمالًا يَحْوِي



وصَحَّ إسنَادًا هُو القُرآنُ

فهذِهِ الثَّلاثَةُ الأركَانُ



وحَيثُ ما يَخْتَلُّ رُكنٌ أثْبِتِ

شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ في السَّبعَةِ

يعني: أيَّ رُكنٍ من هذه الأركَان الثلاثة يختَلُّ ويُفقَدُ في القراءَة فاحكُمْ بشُذُوذِها، ولو أنه في السَّبعَةِ؛ يعني: ولو أنه من القراءَات السبعَةِ؛ لأن هذه الشُّرُوط ينبَغِي أن لا تنفَكَّ عنها القراءَة.

ولذلك حَكَمَ أهلُ العلمِ على القراءَةِ الشاذَّةِ بأنه لا يجوزُ أن يُقرَأ بها.

وحتى نعرف الضابِطَ نقولُ: ما الفرقُ بين القراءَةِ السبعِيَّةِ والقراءَةِ الشاذَّةِ؟

نقولُ: القراءةُ السبعِيَّةُ هي التي توفَّرَت فيها الشُّروطُ الثلاثَةُ: مُوافقَةُ الوَجهِ النَّحَويِّ، ومُوافقَةُ الرَّسمِ العُثماني، وصحَّةُ السَّنَد. إذا اختَلَّت هذه الشُّروطُ الثلاثةُ أو واحدٌ منها أو اثنَان، فإن القراءَةَ تكون حينئذٍ شاذَّة.

أما إذا اختَلَّت جَميعُ الشُّرُوط؛ بمعنى: دخَلَ فيها: عدمُ صحَّةِ السَّنَد، فهي قراءَةٌ ضعِيفةٌ أو موضُوعةٌ، كمن قرَأَ: (مَلَكَ يومَ الدين) بالماضِي مَلَكَ، وليس ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4]، هذه القراءةُ موضُوعةٌ، أو قد تكون قراءَةً مُدرَجةً؛ يعني: ليست من النصِّ الذي جاءَت به، وإنما هو إدرَاجٌ من هذا القارِئِ، كتفسيرٍ أو نحوِ ذلك، كمن قرَأَ: (وله أخٌ أو أٌختٌ مِنْ أُمٍّ) الآيَةُ ليس فيها: (مِنْ أُمٍّ) وإنما هذه أُدرِجَت للتوضِيحِ، فهي من القراءَات المُدرَجَة.

فيُمكن أن نقولَ: من القراءَات ما هو مُتواتِرٌ، ومنه ما هو آحَاد، ومنه ما هو شَاذٌّ، ومنه ما هو موضُوعٌ، ومنه ما هو مُدرَجٌ، يٌمكن أن تكون بهذه الأقسَامِ الخمسَةِ.

 

بقِيَ معَنَا: القراءةُ الشَّاذَّةُ، وهي لا يُقرَأُ بها، ولكن اختَلَفَ أهلُ العلمِ: هل يُحتَجُّ بها في الأحكامِ أو لا يُحتَجُّ؟

ومثَّلُوا للقراءَةِ الشاذَّة بأنها صحَّت من حيث السَّنَد، بقراءَةِ من قرَأَ: ﴿ وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: 79]، قرَأَها: ((وكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سفِينةٍ صالِحةٍ غَصْبًا))، ففيه لفظُ: صالِح، وبدَل ﴿ وَرَاءهُم ﴾ أمامهم.

ومِثلُها قراءَةُ ابنِ مسعُودٍ رضي الله عنه في الصيَامِ، في قولِه: ((فصِيَامُ ثلاثَةٍ أيامٍ مُتتَابِعَات))، القراءَةُ السبعِيَّة ليس فيها ((مُتتَابِعَات)) فكانت هذه كالتفسيرِ من ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ، وهي من القراءَات الشاذَّة، صحَّت سَنَدًا لكنها شاذَّة ليسَت من السَّبعِ.

فقالُوا: هذه القراءَةُ الشاذَّةُ هل يُحتَجُّ بها، أو لا يُحتَجُّ بها في أمورِ الأحكامِ؟ أما في القراءَةِ فهي لا يُقرَأُ بها.

لكن في الاحتِجاجِ اختَلَفَ أهلُ العلمِ؛ فبعضُهم قال: يُحتَجُّ بها في الأحكامِ، وبعضُهم قال: لا يُحتَجُّ بها، ولكلٍّ وَجهٌ.

الذي قال: لا يُحتَجُّ بها قال: بما أننا لم نقرَأ بها، فإنه لا يُحتَجُّ بها؛ لأنه إن قرَأنَا بها فهي مُتواتِرَة، تكون من القراءَات السَّبعِ، وحينئذٍ تكون حُجَّةً لأنها قراءَة.

وأما من احتَجَّ بها فقال: إنها قد صحَّ سنَدُها، وهي وإن لم تكُن قراءَةً لكنها تفسيرٌ من هذا الصحابِيِّ، وهذا التفسيرُ من الصحابِيِّ ليسَ من قَبِيلِ القولِ بالرَّأيِ.

وكأنَّ مُراد الصحابِيِّ هنا: أنه ينقُلُ حُكمَ النبي ، لا يُمكن أن يأتِي بحُكمٍ من عِنده، فقولُ ابن مسعُودٍ: ((ثلاثَةٍ أيامٍ مُتتَابِعَات)) يكون هذا له حُكمُ الرَّفعِ إلى النبي .

هذا بالنَّسبَةِ للكلامِ عن القراءَةِ الشاذَّةِ والاحتِجَاجِ بها.

بقِيَ معَنَا: أول ما نزَلَت القراءَاتُ، متَى بدَأَت القراءَاتُ، وكيف نزَلَت؟

اختَلَفَ أهلُ العلمِ في ذلك على قولَين:

فمنهم من قال: نزَلَت بنُزولِ القرآنِ في مكَّة؛ فالقراءَاتُ السَّبعُ نزَلَت مع بدايَةِ نُزُولِهِ.

ومنهم من قال: بل إنها نزَلَت في المدينَةِ، حينما هاجَرَ النبيُّ إلى المدينَةِ، واحتَاجَ الناسُ - لاختِلافِ لُغاتِهم في المدينَةِ وما جاوَرَها - إلى مِثلِ هذه القراءاتِ والأحرُفِ.

ولعلَّ أقرَبَ الأقوالِ في هذه المسألَةِ: هو القولُ الوَسَطُ الذي جَمعَ بين هذَين القولَين: أن القراءَات نزَلَت مع القُرآن من الأصلِ، لكنها لم تُستعمَل في مكَّة لعَدَمِ الحاجَةِ إليها، فلما هاجَرَ النبيُّ انتَشَرَت بعد ذلك.

وأما مراحِلُ تدوينِ القراءات فقد مرَّت بعِدَّة مراحِل:

المرحَلَةُ الأولى: مرحَلَةُ نُزولِ القرآنِ على النبي في مكَّة؛ بل في أثناء حياتِهِ إلى أن تُوفِّيَ وقد انقَطَعَ الوَحيُ. فهذه مرحَلَةٌ لتَدوِينِ القرآن، كتابَته على الرِّقَاع.

المرحَلَةُ الثانيةُ: فهي بعد وفَاتِهِ ، وحين ارتِدادِ كثيرٍ من العرَبِ بعد وفَاةِ النبي ارتَدُّوا عن الإسلام، ووَقَعَ ما وقَعَ من القِتالِ، كما مرَّ معَنا، فاحتَاجَ أبو بكرٍ أن يجمَعَ القرآنَ بين دُفَّتَي المُصحَف، فكان هذا من مراحِلِ تدوِينِ القرآن بما فيه القراءَات.

المرحَلَةُ الثالثةُ: كانت فيما بعد قِتالِ المُرتدِّين حيث استقَرَّت الأمورُ، وبدَأَ ينتَشِرُ الصحابةُ في البُلدَان، فأصبَحَ هذا الصحابِيُّ يُقرِئُ بما عنده، وهذا يُقرِئُ بما عنده، على نَحوِ ما حصَلَ بين عُمر وهِشامِ بن حكيمٍ G. فمن هنا بدَأَت تنتَشِرُ القراءَات.

المرحَلَةُ الرابِعةُ: مرحَلَةُ التابِعِين؛ حيث أصبَحَ في كل مكانٍ من كِبارِ التابِعِين من القُرَّاء من يُقرِئُ قومَه بما عنده من القراءَةِ، فانتَشَرَت القراءاتُ في ذلك الوقتِ انتِشارًا واسِعًا، حتى بدأ التأليفُ فيما بعدها.

وقد قُلنا: إن أول من ألَّفَ في القراءَات هو: أبو عُبَيد القاسِمُ بن سلَّام 6، ألَّفَ كتابَه المشهُور «القراءَات».

فهذه هي مراحِلُ تَدوِينِ قراءَات القُرآن.

ثم أخَذَ الناظِمُ يُبيِّن مَن هم القُرَّاء، وأسماء القُرَّاء السبعَة المشاهِير فقال:

وإن تَشأ مَعرِفَةَ القُرَّاءِ

فابنُ العَلاءِ، بعدَه الكِسائِيْ

يقصِدُ بابنِ العلاءِ: أبا عَمرو زَبَّان بن العَلاء المازِنِيِّ البَصرِيِّ، وأما الكِسائِيُّ فهو: أبو الحسَنُ عليُّ بن حَمزة الكِسائِيُّ.

ثم قال:

وحَمزَةٌ، واليَحصُبِيْ، وعاصِمُ

ونافِعٌ، وابنُ كَثيرٍ عالِمُ

في هذَين البيتَين اجتَمَعَ القُرَّاء السبعَةُ:

فقولُه: (وحَمزَةٌ) يعني: أبا عَمْرَة حَمزَة بن حَبيبِ الزَّيَّات الكوفِي رحمه الله .

ويعنِي باليَحْصُبِيِّ: أبا عِمران عبد الله بن يَزِيد بن تَميمٍ اليَحْصُبِيَّ، وقد كان إمامَ أهل الشامِ ومُقرِئَهم في ذلك الوقتِ.

(وعاصِمُ) يعنِي به: عاصِمَ بن أبي النُّجُود، وهو قارِئُ أهل الكُوفَة.

(ونافِعٌ) يعني به: أبا نُعَيم نافِعَ بن عبد الرحمن المدنيَّ القارِئَ المشهُور، وقد كان إمامًا للمسجِدِ النبويِّ في عصرِه.

(وابنُ كَثيرٍ) هو أبو مَعبَد عبدُ الله بن كثيرٍ بن عمرو الدارِيُّ، وهو شيخُ قُرَّاء مكة في عصرِه.

هؤلاء هم القُرَّاء السبعةُ المشاهِير الذين ذكَرَهم أحمدُ بن مُجاهد في كتابِهِ المشهُور «السبعة»، والذين اقتَصَرَ عليهم رحمه الله.

وهل القُرَّاءُ هم هؤلاء السبعَةُ فقط، أم هناك ما يَزيدُ عليهم؟

هناك من اقتَصَرَ على السبعةِ، كما كان صَنِيعُ ابنِ مُجاهدٍ 6، وهناك من زادَ على هؤلاء السبعَةِ ثلاثةً، فجعَلَ القراءاتِ عَشرًا، السبعةُ ويُزادُ عليهم ثلاثةٌ.

وقد أشارَ الناظِمُ إلى هذا بقولِه: (وبَعضُهُم) أي: بعضُ أهلِ العلمِ (يَزيدُ فوقَ السَّبعَةِ) فوق عدَد السبعة، (ثَلاثَةً من جُملةِ الأئمَّةِ) يعني: من جُملَة الأئمَّةِ في القراءَات.

فقال:

فهاكَهُم يَزيدُ يتلُوهُ خَلَفْ

وهكَذَا يعقوبُ مِمَّن قد سَلَفْ

ويقصِدُ بيَزيد: أبا جعفَرٍ يزيدَ بن القَعقَاعِ المدنيَّ.

وأما خَلَف: فهو خَلَفُ بن هشامٍ.

وأما يعقوبُ: فهو يعقُوبُ بن إسحاق الحضرَميُّ.

هؤلاء هم القُرَّاء الثلاثةُ من غير السبعَةِ، فيُصبِحُ حينئذٍ عدَدُ القُرَّاء عشرة، وتكون القراءَات عشرَ قراءاتٍ مشهُورةٍ، وهي التي عليها العملُ.

ولذلك أشارَ الناظِمُ إلى أن ما عدَا هذه القراءَات العشر تكونُ من القراءَات الشاذَّة، فقال:

وقُلْ: شُذوذٌ غيرُ تلكَ العَشرِ

لِمَا أتَى مُبَيَّنًا في النَّشرِ

قولُه: (لِمَا أتَى مُبَيَّنًا في النَّشرِ) «النَّشرُ» هو كتابٌ لابنِ الجَزَريِّ 6 شرَحَ فيه كتابَه «طيِّبة النَّشر»، فذَكَرَ ابنُ الجَزَريُّ هذه القراءَات العشر، وأن ما عدَاها فهو شاذٌّ، وقد ذكَرنَا أبياتَه التي مضَت:

وحَيثُ ما يَخْتَلُّ رُكنٌ أثْبِتِ

شُذُوذَهُ لَوْ أنَّهُ في السَّبعَةِ

 

 

بقِيَ معَنا هنا: هل القراءَاتُ السبعُ أو القراءَاتُ العشرُ توقيفِيَّة؟ يعني: جاء النصُّ بأنها سبعٌ، أو أنها عشرٌ؟

نقولُ: لا، القراءَاتُ كثيرةٌ لا تُحصَى، لكن التدوِينَ لهذه القراءَات استَقَرَّ على هذا العدَدِ، لاجتِماع جميعِ الشُّرُوط في قراءَتهم، لا سيَّما من حيث الروايةِ، وإلا فالقُرَّاء أكثَرُ من ذلك.

ابنُ مُجاهد نفسُهُ الذي جَمَعَ السبعَةَ كان قارِئًا من القُرَّاء، وكادَت أن تكون له قراءَة، وحينَما قيل له في ذلك قال: (إنما جمَعتُ الكتابَ لحِفظِ العلمِ، لا لأبنِيَ لي قراءَةً مُستقلَّة)، أو كما قال رحمه الله.

فاقتَصَرَ على السبعَةِ لتواطُئِ الرواياتِ واجتِماعها عليهم. وهؤلاء الذين زادُوا الثلاثَةَ زادُوها لِمَا اجتَمَعَ فيهم أيضًا مما ذكَرَ ابنُ مُجاهِد، وإلا فالقُرَّاء كانوا أكثَر، لكن كانت قراءَاتُهم مُتفرِّقة، وقد يصعُبُ ضبطُ بعضِها، واجتِماعُها بأكمَلِها في قراءَةٍ.

ولذلك جاءَت الطُّرُقُ والرواياتُ والأوجُهُ من هذه القراءَات، فهذه القراءاتُ العشرُ كلُّ قراءَةٍ لا تخلُو من وجهٍ، أو روايةٍ، أو طريقٍ؛ لأنه عندنا في الأصلٍ: قراءةٌ، ثم روايةٌ.

القراءةُ: هي قراءةُ القارِئِ المشهُور الإمام، وأما الروايةُ: فهو من يَروِي عنه هذه القراءة، وأما الطريقُ: فهو من يروِي عن هذا الراوِي كطريقٍ له، وأما الوَجهُ: فهو من يتخيَّرُ من روايَةِ هذا الراوِي وَجهًا من الأوجُهِ التي روَاها.

فهذه كلُّها تتعلَّقُ بالقراءَةِ، وما من قارِئٍ من القُرَّاء السبعة إلا وله شيءٌ من ذلك: من الوَجهِ، أو الروايَةِ، أو الطريقِ.

فالاقتِصارُ إذًا على هؤلاء ليس اقتِصارًا توقِيفِيًّا، يعني: ليس هناك دليلٌ من السنَّةِ يدُلُّ على أن القراءَات العَشر أو القراءَات السبع منصُوصٌ عليها، وإنما اقتَضَى الوَضعُ ذلك، وأجمَعَ بعد ذلك القُرَّاءُ في سائِرِ الأمصارِ على أن القراءَات المقبُولة والمشهُورة هي القراءَاتُ العشرُ.

 

ثم أخَذَ الناظِمُ هنا يُبيِّن ما سبَبُ اختِلافِ هذه القراءَات؟ لماذا لم تكُن قراءةً واحِدةً؟

قال:

ومَنشَأُ اختِلافِهِم تَنَوَّعَا

وإِنَّهُ لَظاهِرٌ لِمَن وعَى

يعني: ظاهِرٌ لمن يعرِفُ ويعِي أبعادَ هذه القراءَات، والمُراد منها وكيفيَّتها، ومعرفَةَ أسانيدِها وطُرُقها وروايَاتها.

وأخَذَ يُمثِّلُ للفُرُوقِ قال:

كالْمَدِّ، والإِدغامِ، والأَداءِ

والقَصرِ، والإِظهارِ للقُرَّاءِ

هذه بعضُ الفُرُوقِ في القراءَات:

فمثلًا: هناك من يختَلِفُ عن القارِئِ الآخر في المدِّ، قد يكون حرفٌ من الحروفِ يُمَدُّ عند هذا القارِئِ، وهو لا يُمَدُّ عند قارِئٍ آخر، أو تكون عدَدُ حَرَكَات هذا المَدِّ عند قارِئٍ أكثَرَ أو أقلَّ من حَرَكَات المَدِّ عند الآخر.

وهكذا في الإدغَامِ قد يُدغِمُ هذا القارِئُ حَرفًا في حرفٍ، ولا يُدغِمُه القارِئُ الآخر.

وكذلك في الأداء، يعني: في التلاوَةِ، في طريقَةِ الأداءِ، فبعضُهم قد يَزيدُ حركةً في النُّطقِ؛ كمن يَزِيدُ مع مِيمِ الجَمعِ ضمَّة (عَلَيهِمُ) ولا  يجعَلها على السُّكُون. فهذا من الأداءِ للتِّلاوَةِ.

والقَصْرُ أي: قَصرُ الممدُود، فبعضُهم له روايَةٌ بالقَصرِ وليس بالمَدِّ، يجعَلُ المُتَّصِلَ أربعَ حَرَكَات، ويجعَلُ المُنفَصِلَ حَرَكَتَين، وبعضُهم يجعَلُ المُنفَصِلَ أربَعَ حَركَاتٍ، والمُتَّصِلَ ستَّ حَرَكَات.

وهكذا في الإظهَارِ فيما من شَأنِهِ الإظهَار؛ فقد يُظهِرُ بعضُهُم ما حقُّهُ الإخفاءُ، والعكسُ بالعكسِ. هذا كلُّه تنوُّعٌ. 

وقولُه: (ومَنشَأُ اختِلافِهِم تَنَوَّعَا) التنوُّعُ هو عكسُ التضادِّ؛ لأن التضادَّ يدُلُّ على الاختِلافِ في الأشياء التي لا تجتَمِع، هذا ضِدُّ الشيءِ لا يجتَمِع، وأما التنوُّعُ فهو الشيءُ المقبُولُ؛ لأن الخِلافَ عند أهلِ العلمِ - كما ذكَرَ شيخُ الإسلام - ينقسِمُ إلى قسمَين: اختِلاف تنوَّع، واختِلاف تضادٍّ.

اختِلافُ التنوُّع: هو المقبُول، هذه قراءَة وقراءَة تُقبَلُ عندي؛ لأنها لا تُناقِضُ القراءةَ الأُخرى، وإنما هو نوعٌ ووَجهٌ.

أما التضادُّ: فهو أن يجتَمِعَ الأمرَان في الشيءِ الذي لا يقبَلُ هذَين الأمرَين، فهو أقلُّ درجَةً من التناقُض؛ لأن المُتناقِضَان هما الشيئَان اللَّذَان لا يجتَمِعَان ولا يرتَفِعَان.

عندنا مثلًا: الحركَةُ والسُّكُون، أيُّ شيءٍ في الدنيا إما أن يكون ساكِنًا، أو يكون مُتحرِّكًا، ولا يُمكن أن يكون ساكِنًا مُتحرِّكًا في نفسِ الوقتِ، ولا يُمكن ألا يكون ساكِنًا ولا مُتحرِّكًا في نفسِ الوقتِ، وإنما يكون إما ساكِنًا أو مُتحرِّكًا.

أما التضادُّ فهو أقلُّ من هذا، المُتضادَّان لا يجتَمِعَان ويُمكن أن يرتَفِعَا، فلا يُمكن أن يكون هذا الشخصُ مثلًا أسوَد وأبيَض في نفسِ الوقت، يعني: لونُه أسوَد يصِحُّ أن تقول: هو أسوَد، أو هو أبيَض في نفسِ الوقت. هذا تضادٌّ أو تناقُض؟ شَبِيهٌ بالتناقُضِ من وَجهٍ؛ لأنه لا يكون ساكِنًا مُتحرِّكًا في نفسِ الوقت، هذا لا يكون أسوَد وأبيَض في نفسِ الوقتِ.

لكن المُتناقِضُ أيضًا لا يُمكن ألا يكون ساكِنًا ولا مُتحرِّكًا، أما هذا فيُمكن ألا يكون أسوَد ولا أبيَض، ماذا يكون؟ ممكن يكون أحمَر، فهذا يُقال له: تضادٌّ.

لكن الخِلاف هنا هو التنوُّع، وهو المقبُول، فأيُّ خِلافٍ يُحمَدُ بين المسلمين في أيِّ شأنٍ من شُؤُون حياتِهم فإنه من خِلافِ التنوُّع، وأيُّ خِلافٍ يُذمُّ بين المسلمين فإنه من خِلافِ التضادِّ.

وخُذُوا هذه قاعِدة عندكم مُطلَقًا: (الخِلافُ الغير مقبُول هو خِلافُ التضادِّ، وأما الخِلافُ المقبُول فهو خِلافُ التنوُّع).

فإذًا هذه هي أوجُهُ تنوُّع القراءَات كما ذكَرنَا، قد يكون في المَدِّ، والإدغَامِ، والأداءِ، والقَصْرِ، والإظهَارِ، ونحو ذلك.

وقد يكون أيضًا في الكلِماتِ: إضافَة كلِمَة، أو نُقصَان كلِمَة، كما في سُورَة الحدِيد، هناك من يقرَأ: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الممتحنة: 6]، وهناك من يحذِفُها: (فإن الله غَنِيٌّ حَمِيد)، وكما في سُورَة البقرَة: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: 115] إلى أن قال: ﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [البقرة: 116]، من القراءَات السبعِ من يحذِفُ الوَاو: (قالُوا اتَّخَذَ الله وَلَدًا).

قد يكونُ أيضًا هذا في إسقَاطِ الحرفِ أو إضافَتِه.

ولذلك وجَّهَ بعضُ أهل العلمِ الاختِلاف في البسمَلَة هل هي من القرآنِ أو لا، إلى أنها قد تكون بسمَلَةً في قراءَةِ البعضِ دُون البعضِ الآخَر.

والناظِمُ هنا إنما أشارَ إلى المَدِّ، والإدغَامِ، والأداءِ، والقَصْرِ، والإظهَارِ ليس من بابِ الحَصْر، وإنما من بابِ التمثِيلِ في هذه المسألَةِ.

هذه هي خُلاصَةُ ما يتعلَّقُ بالأحرُفِ السبعَةِ والقراءَاتِ السبعِ، ويبقَى بعد ذلك ما يخُصُّ سُور القرآن وآياتِه.

 

 

 

التعليقات