20 الخطبة بين الارتجال والقراءة من الصحيفة .

مسائل من كتاب الشامل في #فقه_الخطيب_والخطبة للشيخ أ.د. #سعود_الشريم

20 الخطبة بين الارتجال والقراءة من الصحيفة :

الأصل في الخطابة عند العرب قبل الإسلام ومن ثم بعد الإسلام إلى قرون قريبة قد خلت ، إنما تكون بطريق الارتجال ، وما شهرة من اشتهر منهم – كقيس بن ساعدة وعلي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم وعبدالملك بن مروان الذي شيبته المنابر وسحبان وائل وغيرهم – إلا من هذا الباب . كل أولئك وغيرهم إنما كانوا يخطبون ارتجالاً .

ومما لاشك فيه أن الارتجال هو الأكمل في الخطابة وهو أصلها ، وهو علامة الملكة والقدرة . وحاجة الخطيب في الجملة إلى الارتجال أمر لاشك في استحسانه ، إذ القدرة عليه من ألزم الصفات للخطيب الناجح ، وما ذاك إلا لحاجته أحياناً إلى البديهة الحاضرة ، والخاطر السريع ، الذي يفرضه عليه واقع الأمر فيما يكن قد أعدَّ له من قبل . وقد روي أن أبا جعفر المنصور كان يخطب مرة فقال : " اتقوا الله ، فقال رجل : أذكّرك من ذكّرتنا به . فقال أبو جعفر : سمعاً سمعاً لمن فهم عن الله وذكّر به ، وأعوذ بالله أن أذكّر به وأنساه فتأخذني العزة بالإثم ، لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ، وما أنت ؟ والتفت إلى الرجل فقال : والله ما الله أردت بها ، ولكن ليقال قام فقال ، فعوقب فصبر ، وأهون بها لو كانت العقوبة وأنا أنذركم أيها الناس أختها ، فإن الموعظة علينا نزلت وفينا نبتت ، ثم رجع إلى موضعه من الخطبة (250) . اهـ .

قلت : فها هو المنصور حينما قدر على الارتجال استطاع أن يأتي بهذا النوع من الكلام المسكت . بخلاف الخطابة من الورق لأنها تعدُّ من قبل ، ولا يزل عنها الخطيب قيد أنملة ؛ فلم يكن فيها ما يدل على الملكة الآنية ، بل إن بعض أهل العلم يجعلها نوعاً من المعايب إلى عهد ليس بالبعيد . كما ذكر ذلك الشيخ علي محفوظ عضو جماعة كبار العلماء بالأزهر والمتوفى سنة 1361 هـ .

فقد قال في كتابه " الإبداع في مضار الابتداع " ما حاصله : " أما ما يقع من بعض العامة حين نزول الخطيب من على المنبر من التمسح بكتفه وظهره فمما لا أصل له ، وكذلك البيارق التي تنصب على جانبي المنبر والستارة التي تسبل على بابه ، وبعض الخطباء يستتر بهذه البيارق ؛ لأنه لسوء حفظه يقرأ الخطبة في الورق ، وبذلك يضيع أثر الخطبة في نفوس السامعين (251). اهـ .

قلت : بيد أن الأمور في هذا العصر قد اختلفت ، فقد ضعفت اللغة لدى كثير من الناس ، وقلَّ الاعتياد على الارتجال في الخطب في كثير من الأصقاع حتى اختلفت أعراف الخطباء في ذلك ، فصار كثير منهم لا يرتجلون إما رغبة منهم ، أو من باب عدم القدرة . ولكن لسائل أن يسأل أيهما أفضل ؟ الارتجال أم الخطبة بالقراءة من الورق ؟ .

فالجواب : هو أنه لاشك في أن الارتجال هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم ومن جاء من بعدهم. ولكن هل فعله صلى الله عليه وسلم هذا للتعبد أم أنه فعل جبلي؟

الذي يظهر لي – والله أعلم – أنه فعل جبلي ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً . ولكن قد يشكل على هذا فعل الصحابة رضي الله عنهم حيث إن بعضهم كانوا يرتجلون مع علمهم بالقراءة والكتابة .

ولعل من المناسب هنا أن أقول : ينبغي أن ينظر في المسألة :

فإن كان الخطيب ممن لديه ملكة الارتجال ، بحيث يجيد مخارج الحروف مع إعرابها خالية من اللحن والتلعثم (252) والكلام المكرر ، أو أن يرتج عليه كثيراً بحيث تفقد هيبة الخطيب والخطبة ، فإن الارتجال هنا أفضل وأكمل .

وأما إن كان الأمر غير ذلك ، فإن الخطابة بالورق أكثر نفعاً ، بحيث لا يخرج الخطيب عن الموضوع أو ينسى أو يزل أو يلحن . ولعل الأمر في ذلك واسع والله الموفق .

قال ابن مفلح : قال أبو المعالي وابن عقيل : ولمن لا يحسن الخطبة قراءتها من صحيفة . قال : كالقراءة في الصلاة لمن لا يحسن القراءة في المصحف . كذا قال . وسبق أن المذهب لا بأس بالقراءة في المصحف . قال جماعة : كالقراءة من الحفظ فيتوجه هنا مثله ؛ لأنه الخطبة شرط كالقراءة (253) . اهـ .



(250)  انظر : الخطابة لمحمد أبي زهرة ص (143 ) .

(251)  انظر / الإبداع في مضار الابتداع ص ( 177 ) .

(252)  تلعثم عن الأمر : نكل وتمكَّث وتأَنَّى وتبصَّر . لسان العرب ( مادة لعثم ) .

(253)  انظر : الفروع (2 / 117 ) .

التعليقات