22- لبس السواد أو البياض للخطيب

22- لبس السواد أو البياض للخطيب :

 اختلف أهل العلم في لبس الخطيب للسواد أو البياض أيهما أفضل ؟ على قولين هما :

 القول الأول :

وبه قال بعض الحنفية . فقد قال صاحب الدر المختار الحنفي : " ومن السنة جلوسه في مخدعه عن يمين المنبر ، ولبس السواد ... الخ " (261) . اهـ .

قال ابن عابدين معلقاً على الكلام السابق : اقتداء بالخلفاء وللتوارث في الأعصار والأمصار ، والظاهر أن هذا خاص بالخطيب ، وإلا فالمنصوص أنه يستحب في الجمعة والعيدين لبس أحسن الثياب . وفي شرح الملتقى من فصل اللباس : ويستحب الأبيض وكذا الأسود ؛ لأنه شعار بني العباس ، ودخل عليه الصلاة والسلام مكة وعلى رأسه عمامة سوداء . انتهى .

وفي رواية لابن عدي (262) : كان له عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه . (263) . اهـ .

قلت : لا أعلم دليلاً لأصحاب هذا القول سوى ما رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن حريث (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس وعليه عمامة سوداء )) (264) .

قلت : وهذه القصة كانت عام الفتح ، كما هو واضح في مجموع رواياتها .

وفي رواية عند مسلم قال : (( كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء ، قد أرخى طرفيها بين كتفيه )) (265) .

القول الثاني :

وقال به جمهور أهل العلم ، وهو استحباب لبس البياض للخطيب وغيره .

فقد قال الشافعي : وأحب ما يلبس إلى البياض ، فإن جاوزه بعصب اليمن والقطري وما أشبهه مما يصبغ غزله ولا يصبغ بعدما نسج فحسن . (266) . اهـ .

وقال أبو الحسين العمراني : ويستحب له أن يلبس من الثياب البيض لقوله صلى الله عليه وسلم : (( البسوا البياض ، فإنها خير ثيابكم )) (267) ولأن البياض كان أكثر لبس النبي صلى الله عليه وسلم و (( كفن في ثلاثة أثواب بيض )) (268) (269) . اهـ .

وقال الماوردي : " كان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة يلبسون البياض . (270) " اهـ .

وقال النووي : ويلبس أحسن ثيابه ، وأفضلها البيض . (271) . اهـ .

وقال ابن قدامة : وأفضلها البياض لقوله عليه السلام : (( خير ثيابكم البياض ، البسوها أحياءكم ، وكفنوا فيها موتاكم )) (272) .

قلت : إن نظرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر أن أفضل الثياب البياض ، وإن نظرنا إلى فعله فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبس السواد مطلقاً أي بدون تخصيص بيوم الجمعة ، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (( خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات غداة ، وعليه مِرْطٌ مُرَحَّلٌ من شعرٍ أسْوَدَ )) (273)

وفي حديث جابر عند مسلم أيضاً قال : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء )) (274)

وعند مسلم أيضاً (( أنه صلى الله عليه وسلم خطب أمام أصحابه عام الفتح وعليه عمامة سوداء )) (275) . كما مرَّ معنا قبل قليل .

وأخرج أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : (( صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بردة سوداء فلبسها، فلما عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، وكانت تعجبه الريح الطيبة )) (276) .

ولم أقف على حديث واحد يبين أنه صلى الله عليه وسلم لبس في الجمعة بخصوصها أسود أو أبيض ، وإنما هي أحاديث عامة جاءت في هذا وهذا دون تقييد بالجمعة .

ولكن عند التأمل نجد أن قوله صلى الله عليه وسلم يعمُّ جميع أمته كما هو مقرر عند الأصولين ، فهو صلى الله عليه وسلم قد فضَّل البياض وحثَّ عليه ، فبناء على ذلك يكون البياض هو الأفضل ، ولو لبس الخطيب السواد في بعض الأحيان فلا بأس ولكن لا يداوم عليه لما ذكر أهل العلم من أن المداومة عليه أمر محدث .

فقد قال الماوردي : " وأول من أحدث السواد بنو العباس في خلافتهم شعاراً لهم " (277) .

وقال ابن القيم : " جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعاراً لهم ، ولولاتهم وقضاتهم وخطبائهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يلبسه لباساً راتباً ، ولا كان شعاره في الأعياد ، والجمع ، والمجامع العظام ألبتة ، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة ، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد ، بل كان لواؤه أبيض " (278) . اهـ .

وقال في موضع آخر عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وهديه في لباسه : (( ولا لبس طيلسان ولا طرحة ولا سواداً . (279) .اهـ .

بل قد ذهب الغزالي إلى أبعد من ذلك وهو القول بكراهة لباس السواد للخطيب فقد قال : " ولبس السواد ليس من السنة ، ولا فيه فضل ، بل كره جماعة النظر إليه لأنه بدعة محدثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (280) .اهـ .

وقال في موضع آخر : " وأما مجرد السواد – أي للخطيب – فليس بمكروه لكنه ليس بمحبوب إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض " (281) .

قلت : ومراد الغزالي ببدعية لبس السواد إنما هو للخطيب في الجمعة ، وأما مطلقاً فإن الأحاديث التي ذكرتها سابقاً ترد ذلك .

ولكن النووي رحمه الله لم يذهب إلى بدعية لبس السواد في الخطبة ، فقد قال عن لبسه صلى الله عليه وسلم العمامة السوداء عام الفتح وخطبته بها : " فيه جواز لبس الأسود في الخطبة ، وإن كان الأبيض أفضل منه ، وأما لباس الخطباء السواد في حالة الخطبة فجائز ، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً للجواز " (282) . اهـ .

قلت : يمكن أن يجمع بين قول الجمهور وقول النووي ، على أن البدعية إنما هي في المداومة على لبس السواد واتخاذه شعاراً في هذه المناسبة . والعلم عند الله تعالى .

تـنـبـيـه :

أخرج البيهقي وابن سعد في الطبقات الكبرى من حديث جابر : (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس برده الأحمر في العيد والجمعة )) (273) .

قلت : ضعَّفه الحافظ ابن حجر لأجل الحجاج بن أرطأة . (284) .اهـ .



(261)  انظر : رد المحتار (  3 / 21 ) .

(262)  انظر : الكامل ( 6/ 2113 ) من حديث جابر رضي الله عنه .

(263)  انظر : رد المحتار (  3 / 21 ) .

(264) انظر : صحيح مسلم ، كتاب الحج ، حديث رقم ( 1359 ) .

(265)  انظر : المصدر السابق .

(266)  انظر : الأم ( 1/ 337 ) .

(267)  رواه أبو داود كتاب الطب ، باب 14 ( رقم 3878 ) ، والترمذي كتاب الجنائز ، باب 18 ( رقم 994  ) وابن ماجة الجنائز ، باب 12 ( رقم 1472 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

(268)  انظر : صحيح البخاري الجنائز ، باب 23 ( رقم 1271 ) . ومسلم الجنائز باب 13 ( رقم 941 ) من حديث عائشة .

(269)  انظر : البيان ( 2 / 587 ) .

(270)  انظر : الحاوي الكبير ( 2 / 440 ) .

(271)  انظر : المجموع(4/ 368 ) .

(272)  انظر : المغني ( 3 / 229 ) .

(273)  صحيح مسلم كتاب اللباس والزينة ، باب 6 ( رقم 2081 ) .

(274)  انظر : صحيح مسلم كتاب الحج ، باب 84 ( رقم 1358 ) .

(275)  انظر : صحيح مسلم كتاب الحج ، باب 84 ( رقم 1359 ) .

(276)  انظر : مسند أحمد ( 6 / 132 ) .

(277)  انظر : الحادي الكبير ( 2 / 440 ) .

(278)  انظر : زاد المعاد ( 3 / 358 ) .

(279)  انظر : زاد المعاد ( 1 / 429 ) .

(280)  انظر : إحياء علوم الدين ( 1 / 181 ) .

(281)  انظر : إحياء علوم الدين ( 2 / 336 ) .

(282)  انظر : شرح مسلم للنووي ( 5/ 350 ) .

(273)  انظر : السنن الكبرى ( 3 / 350 ) .

(284)  انظر : المطالب العالية ( 1 / 171 ) .

التعليقات