24- التوقيت لدخول الخطيب

مسائل من كتاب الشامل في #فقه_الخطيب_والخطبة للشيخ أ.د. #سعود_الشريم

24- التوقيت لدخول الخطيب :

يلحظ على بعض الخطباء – وفقني الله وإياهم وجميع إخواننا المسلمين – أنهم يلتزمون في دخولهم إلى المنبر وقتاً واحداً على مدار السنة ، حتى ولو اختلف التوقيت فزاد أو نقص صيفاً وشتاءً ، وهذا فيما يظهر لي أنه ليس بجيد بل هو خلاف الأول ؛ لعدة أمور :

الأمر الأول : أن عدم التزام وقت معين فيه خروج من خلاف أهل العلم في وقت الجمعة : وهل هو بعد الزوال أم قبله أو مع الزوال ؟.

حيث اختلف أهل العلم في ذلك قولين :

القول الأول : قالوا : إن وقت الجمعة هو وقت الظهر ، أي بعد الزوال ، ولا تجوز قبله . وهذا قول أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ، وهي التي اختارها الآجري ، وفضَّلها ابن قدامة والمرداوي (291) .

واستدلوا بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)) رواه البخاري(292) .

وبحديث سلمة بن الأكوع قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ، ثم نرجع نتتبع الفيء . رواه البخاري ومسلم (293) .

قال الشافعي : ولا اختلاف عند أحد لقيته ألا تصلى الجمعة حتى تزول الشمس(294). اهـ .

ونقل النووي عن الشافعي أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، والأئمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال (295) . اهـ .

وقد بوَّب البخاري باباً فقال : باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس .

قال الحافظ ابن حجر : جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها ، لضعف دليل المخالف عنده(296) . اهـ .

القول الثاني : أن أول وقت الجمعة هو وقت صلاة العيد . وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وهي من مفرداته ، وهي التي عليها أكثر أصحابه (297) .

قال ناظم المفردات :


لجمعة وقت الوجوب يدخل

إذ ترتفع شمس كعيدٍ نقلوا (298)

 

قال العبدري : قال العلماء كافة : لا تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال إلا أحمد ، ونقل الماوردي عن ابن عباس كقول أحمد . ونقل ابن المنذر عن عطاء وإسحاق قال : وروي ذلك بإسناد لا يثبت عن أبي بكر وعمر وابن مسعود ومعاوية (299) .

ودليل هذا القول حديث جابر رضي الله عنه قال : (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس )) رواه مسلم (300) .

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : (( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظلٌّ يستظل به)) . رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم: ((نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء ))(301) .

وعند ابن أبي شيبة من رواية عبدالله بن سيدان قال : شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار ، وشهدتها مع عمر رضي الله عنه فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول تنصف النهار . ثم شهدنا مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار ، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكره (302) .

وقد أجاب الجمهور على أدلة أصحاب القول الثاني كالتالي :

أولاً : جوابهم عن حديث جابر وما بعده أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره ، وفيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال لا أن الصلاة قبله (303) .

ثانياً : وجوابهم عن حديث سلمة لا حجة في أنه قبل الزوال ، لأنه ليس معناه أنه للحيطان شيء من الفيء ، وإنما معناه ليس فيها فيء كثير بحيث يستظل به المار . وهذا معنى قوله : وليس للحيطان ظلٌّ يستظل به ، فلم ينف أصل الظل وإنما نفى كثيره الذي يستظل به ، وأوضح منه الرواية الأخرى (( نتتبع الفيء )) فهذا فيه تصريح بوجود الفيء لكنه قليل (304) .

ثالثاً : جوابهم عن أثر أبي بكر وعمر ، أن رجاله ثقات إلا عبدالله بن سيدان ، فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة ، قال ابن عدي : شبه المجهول . وقال البخاري : لا يتابع على حديثه ، بل عارضه من هو أقوى منه ، فروى ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة (( أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس)) إسناده قوي . ذكره الحافظ ابن حجر(305) .

 

 

الأمر الثاني :

أن التزام وقت معين لدخول الخطيب – مع اختلاف الفصول والتوقيت – فيه مشقة على الناس من حيث الواقع ، فلو نظرنا مثلاً إلى وقت الظهر في مدينة الرياض لوجدنا أنه كغيره يختلف باختلاف الفصول ، فقد يدخل وقت الظهر في الساعة الحادية عشرة ونصف الساعة تقريباً كأدنى حد له في السنة ، وقد يصل إلى الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق تقريباً كأعلى حد له في السنة ، ومع ذلك تجد بعض الخطباء يلتزم الدخول مطلقاً طوال العام في الساعة الثانية عشرة تقريباً ، مع أن وقت الزوال يبدأ في الساعة الحادية عشرة ونصف الساعة تقريباً ، فيكون هناك زيارة نصف ساعة على الناس تأخيراً قد تثقل عليهم في مقابل قرب دخول وقت العصر الذي يكون دخوله مبكراً في مثل هذا الفصل كحال الظهر أيضاً ، فيصبح الوقت بين الظهر والعصر قليلاً عند بعض المساجد التي تؤخر الصلاة .

والذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال: (( كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع فنتتبع الفيء)) (306) أخرجه البخاري ومسلم (307) وفي رواية عنه عند مسلم : (( فنرجع وما نجد للحيطان فيئاً نستظل به )) وفي هذا دليل على التبكير بها في  وقتها حسب اختلاف دخوله بالنسبة لفصول السنة . والعلم عند الله تعالى .



(291)  انظر : الهداية للمرغيناني ( 1 / 89 ) ، المعونة للبغدادي المالكي ( 1 / 298 ) ، الأم ( 1 / 323 ) المغني ( 3 / 159 ) ، الإنصاف ( 5 / 187 ) .

(292)  انظر : صحيح البخاري : كتاب الجمعة باب 16 ( رقم 904 ) .

(293)  انظر : صحيح البخاري : كتاب المغازي ، باب 35 رقم ( 4168 ) . صحيح مسلم : الجمعة ( 2 / 589 رقم 860 ) .

(294)  انظر : الأم ( 1 / 333 ) .

(295)  انظر : المجموع ( 4 / 340 ) .

(296)  انظر : فتح الباري ( 3 / 45 ) .

(297)  انظر : المغني ( 3 / 159 ) ، الإنصاف ( 5 / 187 ) .

(298)  انظر : منح الشفا الشافيات في شرح المفردات للبهوتي ( 1 / 155 ) .

(299)  انظر : المجموع ( 4/ 339 ) ، فتح الباري ( 3/ 45 ) .

(300)  انظر : صحيح مسلم : الجمعة ، باب 9 ( رقم 858 ) .

(301)  انظر : صحيح البخاري : كتاب المغازي ، باب 35 رقم ( 4168 ) . صحيح مسلم : الجمعة ( 2 / 589 رقم 860 ) .

(302)  انظر : مصنف ابن أبي شيبة ( 2 / 17 ) .

(303)  انظر : المجموع ( 4 / 340 ) .

(304)  انظر : المجموع ( 4 / 340 ) .

(305)  انظر : فتح الباري ( 3 / 46 ) .

(306)  الفيء : هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وأصل الفيء : الرجوع ، يقال : فاء يفيء فُيُوءاً ، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم . ومنه قيل للظِّل الذي يكون بعد الزوال : فيء لأنه يرجع من جانب الغرْب إلى جانب الشرق . النهاية ( 3 / 482 ) . 

(307)  انظر : صحيح البخاري كتاب المغازي ( حديث 4168 ) ، صحيح مسلم ( 2 / 589 رقم 860 ) وفي حديث جابر عند مسلم : كما نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نرجع فنريح نواضحنا . قال حسن : فقلت لجعفر : في أي ساعة تلك ؟ قال : زوال الشمس .

التعليقات