25- هل يحضر الخطيب إلى المسجد قبل وقت دخوله ؟

 

مسائل من كتاب الشامل في #فقه_الخطيب_والخطبة للشيخ أ.د. #سعود_الشريم

 25- هل يحضر الخطيب إلى المسجد قبل وقت دخوله ؟ :

يجتهد بعض الخطباء – حرصاً منهم على الخير – في الحضور للمسجد قبل وقت دخولهم بوقت طويل أو قصير ، وذلك لأجل تحصيل الأجر في قراءة قرآن ، أو تنفل مطلق .

والذي ينبغي أن يعلمه كل خطيب : هو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحضر للمسجد يوم الجمعة إلا وقت دخوله إلى المنبر، ولم يرد ما يدل على أنه كان يبكر لأجل التنفل أو قراءة القرآن.

والذي يظهر لي أن عامة أهل العلم يقولون بهذا ، غير أن بعضهم قد تكلم عن حكم تبكير الخطيب للمسجد قبل وقت دخوله ، فها أنا أذكر بعض ما وقفت عليه من أقوالهم ، فأقول :

قد نقل النووي رحمه الله عن المتولي من الشافعية قوله : يستحب للخطيب ألا يحضر للجمعة إلا بعد دخوله الوقت ، بحيث يشرع فيها أول وصوله المنبر ؛ لأن هذا هو المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا وصل المنبر صعده ولا يصلي تحية المسجد ، وتسقط هنا التحية بسبب الاشتغال بالخطبة كما تسقط في حق الحاج إذا دخل المسجد .

وقال جماعة من أصحابنا : تستحب له تحية المسجد ركعتان عند المنبر ، وممن ذكر هذا البندنيجي والجرجاني .... ، والمذهب أنه لا يصليها ؛ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل أنه صلاها ، وحكمته ما ذكرته ، ولم يذكر الشافعي وجماهير الأصحاب التحية ، وظاهر كلامهم أنه لا يصليها (308) . اهـ .

وقال أبو زرعة العراقي عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين(309) وفيه: ((من راح في الساعة الأولى .... )) الحديث : قد يستدل بعمومه على استحباب التبكير للخطيب أيضاً ، لكن ينافيه قوله في آخره (( فإذا خرج الإمام طويت الصحف )) فدلَّ على أنه لا يخرج إلا بعد انقضاء وقت التبكير المستحب في حق غيره .

وقال الماوردي من أصحابنا : يختار للإمام أن يأتي الجمعة في الوقت الذي تقام فيه الصلاة ولا يبكر ، إتباعاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ، واقتداء بالخلفاء الراشدين (310) .اهـ .

وقال ابن حبيب المالكي : يجوز له إذا أتي قبل الزوال أن يتنفل في المسجد ، وكذلك بعد الزوال إذا لم يرد أن يخطب ، ويسلم على الناس حين دخوله ، ولا يسلم إذا صعد على المنبر (311) . اهـ .

وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن : " وأما تقدم الخطيب في المسجد يصلي ويقرأ قبل الخطبة والصلاة فلا بأس به ، لكن ينبغي أن يكون في ناحية يراه المأمومون إذا خرج إليهم للخطبة (312). اهـ .

وقال شيخنا العلامة محمد بن عثيمين : إن السنة للإمام أن يتأخر – أي في ذهابه للمسجد في الجمعة – وأما ما يفعله بعض أئمة الجمعة الذين يريدون الخير فيتقدمون ليحصلوا على أجر التقدم الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم : (( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة )) فهؤلاء يثابون على نيتهم ، ولا يثابون على عملهم ؛ لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة إنما يأتي عند الخطبة ولا يتقدم ، ولو كان هذا من الخير لكان أول فاعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم (313) . اهـ .

قلت : وبهذا تعلم أن السنة ألا يبكر الخطيب قبل وقت دخوله ، عملاً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن من فعل ذلك لم يكن قد فعل محرماً ، ولكنه فعل ما هو خلاف السنة ، إلا أن بعض المساجد لها من الخصوصية في الواقع ما يستلزم حضور الخطيب قبل وقته ، لأسباب ترجع إلى كل مسجد بحسبه ، فمثلاً في المسجد الحرام تقتضي الحال تبكير الخطيب قبل وقت دخوله بزمن يسير ، وهذا أمر لا بأس به ، غير أن الأكمل والأقرب لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ألا يدخل الخطيب المسجد إلا إلى منبره مباشرة . والعلم عند الله تعالى .



(308)  انظر : المجموع ( 4/ 358 ) .

(309)  انظر : صحيح البخاري : الجمعة ( برقم 881 ) . صحيح مسلم ( 2 / 582 رقم 850 ) .

(310)  انظر : رح التثريب ( 3/ 173 ) .

(311)  انظر : كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني . لأبي الحسن المالكي ( 1 / 283) .

(312)  انظر : الدرر السنية ( 5/ 40 ) .

(313)  انظر : الشرح الممتع ( 5 / 165 ) .

التعليقات