الفهمَ الإسلاميَّ الصحيح في التعاملِ مع الأحزان

إنَّ الفهمَ الإسلاميَّ الصحيح في التعاملِ مع الأحزان فهمٌ فريد من نوعِه، وإنما اختصَّت به أمّةُ الإسلام دونَ غيرها لأنّ مفهوم غيرِ المسلمين في التعامل معها يُعَدّ ضيِّقَ النطاق تافِهَ الغاية ضعيفَ العِلاج؛ إذ ينحصر التعاملُ مع الأحزان عندهم في العويلِ واللّطم والانتحار والمصحَّات والعقاقير المهدِّئَة وتعاطي المسكِراتِ والمخدِّرات والغناء والمعازِف ليس إلاَّ، وأمّا الفهمُ الإسلاميّ فقد تجاوز مثلَ ذلكم التعامل بمراحل ليست هي من بابةِ فَهمِهم في وِردٍ ولا صَدر، فصار الفهمُ الشرعيّ للحزن خمسة أضرُب:

أوّلها: الحزنُ المكروه كراهةَ تنزيه، وهو الذي يكون على فواتِ أمرٍ من أمور الدنيا، ومثلُ هذا الضرب ينبغي للمرء أن يتغلَّب عليه لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23].

والضّرب الثاني: الحزن الواجبُ، وهو الذي يعدُّ شرطًا من شروط التوبةِ النصوح، والمتمثِّل في الندم على فعل المعصية، والنّدم حُزنٌ في القلب يكون بسبَبِ ما اقترفته اليدان من المعاصي والذنوب.

والضرب الثالث: الحزن المستحبّ، وهو الذي يكون بسبَب فوات الطاعة وضياعِها على المرء، كما في قوله تعالى عن موقفِ الفقراء الذين لم يحمِلهم النبيّ في غزوة تبوك: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:92-93]. فهم هنا مدِحوا على ما دلَّ عليه الحزن من قوّةِ إيمانهم، حيث تخلّفوا عن رسول الله لعجزِهم عن النفقةِ، بخلاف المنافقين الذين لم يحزَنوا على تخلّفهم، بل غَبطوا نفوسَهم به.

والضرب الرابع عباد الله: هو الحزن المباح، وهو الذي يكون بسبَب نازِلة ومصيبةٍ أحلَّت بالمحزون كفقدِ ولدٍ أو صديق أو زوجةٍ أو أمّ أو والِد، كما قال تعالى عن يعقوب عليه السلام في فَقدِ ابنه يوسف عليه السلام: ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84]، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما مات ولده إبراهيم فقال: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبَّنَا، وَاللهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ»([3]).

والضرب الخامس من ضروب الحزن: هو الحزنُ المذموم المحرَّم، وهو الذي يكون على تخاذلِ المتخاذلين والمعرضين عن الحقّ وعن شِرعة الله تعالى لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، وقوله: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النمل:70]، وقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:90].

ويستثنى من ذلكم - عباد الله - إذا كان الحزنُ لما أصابَ أمثالَ هؤلاء سببُه الاعتبارُ والادّكار واستحضار عظمَة الله سبحانه وقدرَته على الانتقام من المعاندِين الضّالين، كما في قصّة أبي الدرداء رضي الله عنه حينما بكى وحزن، وقد رأى دولةَ الأكاسرة تهوي تحتَ أقدام المسلمين، وقد قال له رجل: يا أبا الدرداء، تبكي في يومٍ أعزّ الله الإسلامَ وأهله؟! فقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: (ويحك يا هذا، ما أهونَ الخلق على الله إذا أضاعوا أمرَه، بينما هي أمة قاهرة ظاهرةٌ ترَكوا أمرَ الله فصاروا إلى ما ترى). ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64].

التعليقات